لا بأس بالحقيقة !!

"

جنوبنا-دعاء مقدادي

"لا بأس بالحقيقة"،  هذه المقولة التي لطالما شابهت شعوري عندما إكتشفت واقعاً لاحقاً خلال خطوتي الاولى نحو الوعي والتحليل، أنا كغيري من الكثير من الفلسطينيين القابعين في المخيمات الفلسطينية، بإسم لاجئ بعيد عن أحضان الوطن الحبيب فلسطين.

من الطفولة، حيث يتم تغذية عقل أي رضيع يولد بحب فلسطين قبل أن يرتشف النقطة الاولى من حليب امه، ومن ثم تغدو به الفكرة لتكبر معه ويرى نفسه يسير كغيره بحب يتدفق من قلبه، يهتف بلوعة بحب فلسطين بكل مناسبة او ذكرى وطنية  أليمة يمر بها الوطن الاسير في تفرعات المخيم (الفلسطيني).

لم  أغفر يوماً قط، أن تكون حياتنا الشخصية تفوق تأثير الوطن الغائب وسيطرته هدفاً اول لكل عربي عامة و فلسطيني خاصة، مهما كانت اكبر بأن تتجاوز قضية فلسطين، لم اتصور ان تكون الزعامة والمسؤولين و الافراد التابعين لهم بأمور و خطط، بعيدة كل البعد عن هدف الوطن الام، انا التي لم اؤمن الا بديني ووطني الغائب عن عيني لأسقط عن سرير الاحلام حين إكتشفت مدى الهوة بيننا و بين ما يدور في بلدي .

أن تصبح مساحة مخيم، مخيم البداوي خاصة الذي أقيم سنة 1953 في منطقة طرابلس، بعد سلسلة أحداث آلت به الى لبنان من حدود رسمناها بحب الوطن و ألفة سكانه، إلى محسوبيات تسليع للوطن،  حيث باتت الاحتفالات السنوية والمهرجانات قلما تتلاقى مع صدق القضية الفلسطينية، انها باتت تسويقية معنويا وجماهيرياً لاحياء شعلة التراث المسلوب ولكن بخجل من نوايا أصحابها.

فلسطين تنتظر منا خطوة حقيقية وجدية، تبدأ من إصلاح الذات ومن التفكير بأننا كلنا واحد، و بعيداً عن المصلحة الذاتية والتفكير بالمصلحة العامة، فالحكمة الصينية تقول " إذا أردت تحريك الجبال، فإبدأ بجمع الحجارة من اليوم. "

أقوى جيش تواجهه في حياتك، هو جيش الأفكار الموجودة في عقلك، هذا الجيش قادر على تحطيمك أو نصرتك فكن قائداً لجيش أفكارك ولا تكن تابعاً لها، لأن سيطرتك على افكارك و إيمانك بالقضية، سيغير حتماً مسار التغافل عن الخريطة الفلسطينية.

فقصتنا ما زالت عالقة بالأبيض والأسود كما شاهدها وكان شاهد عليها العالم أجمع منذ ١٩٤٨، مما أدى الى خمولها ومحاولة طمسها، لا سيما بظل الحروب المشتعلة في المنطقة، والسياسات المفاجئة للدول القريبة، فالتجدد وحده يقي فلسطين مصير الهنود الحمر في أميركا .

الاحتفالات فقدت بهجتها، لم تكن معهودة بطابع واقعي يوماً، فالناس بسؤال واحد: لماذا هذه الاحتفالات في ظل الاضرابات للاسرى؟ جوع وحرمان من ابسط الحقوق؟

وصدى السؤال يصدح بسماء المهرجانات الفلسطينية المتكررة كل عام، والتي تليها كلمة لاحدى المسؤولين عن اهمية وركن القضية الكبير في قلوبنا، لتصطدم بواقع أليم يأبى الانكسار يوماً.

فهذه الاحتفالات والمهرجانات التي تتسابق الفعاليات لتنظيمها، هي من أهم أسباب تحويل قصة التشريد القصري والحرمان والمجازر، الى مسرحية تراجيدية زائفة.

ملأت جوارحنا بالبؤس عاماً بعد عام، فلم يبقَ من فلسطين البعيدة بالمسافات، الحاضرة داخلنا، الا مجرد عدد محدود من كبار السن الذي يعمد بعض الاشخاص الى الدعاية الوطنية لعابري سبيل من الاجانب، لترتسم على وجوههم بعض ملامح الاسى والتأثر، سرعان ما يتلاشى عند خروجهم.

لذلك، فإن التعبئة الجديدة، هدفها نشر القضية وحمايتها من الإندثار، ولا يقصد بذلك إعادة تمثيل للسيناريوهات المستهلكة من قبل بعض الجمعيات الربحية، غير أنها تسعى الى بناء خطاب جديد يحاكي الوضع العالمي الجاري.

تزامناً مع ذكرى النكبة 69 الذي حل في ١٥\٥\٢٠١٧ من كل عام، إضراب الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ شهر وأكثر، مطالبة بتحقيق بعض المطالب منها الحق بالزيارة مع توفير الحقوق للأهالي، الملف الطبي أيضاً، حيث تجري سياسة الإهمال الطبي، كما التجاوب مع إحتياجات ومطالب الأسيرات الفلسطينيات سواء بالنقل الخاص واللقاء المباشر بدون حاجز خلال الزيارة، إنهاء سياسة الإعتقال الإداري، كما سياسة العزل الإنفرادي، وغيرها من المطالب المستحقة لكل أسير في السجون الإسرائيلية.

فكما قال الأسير بسام خندقجي، المسجون في سجن جلبوع المركزي بحكم مؤبد الحياة، في مقالته " ينبغي إعادة صياغة للعلاقات الداخلية الفلسطينية بالشتات، من أجل وضع أجندة عمل ذات طابع مرن للإنطلاق على أرض الواقع في أوروبا خاصة، والتي يعقد الفلسطينيون المغتربون فيها مؤتمراً سنوياً لهم" بالإضافة إلى إستثمار الحركة الدائمة للفلسطينيين في المؤتمرات الدولية.

يتطلب من القوى الفاعلة في المخيمات، والسلطات الفلسطينية، أن تنشط دورها في تعزيز الوطن في نفوس كل فرد منا من خلال دعم القضية محلياً ودولياً بلقاءات وطنية وأفكار تعد بمستقبل قريب للنصر.

ختاما، لا يكفي الرقص والغناء الوطني لايصال الصدى للوطن الغائب،  تنبغي وجود القناعة الذاتية والتأكيد على اهمية الوطن اولا والعمل على الوصول إليه، كل ما هو بعيد عن ذلك واهي.




30 أيار 2017 - الساعة 16:46